محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

294

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ولا يواجه الباب في استئذانه لأن رجلا استأذن على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقام مستقبل الباب فقال له عليه السّلام : " هكذا عنك وهكذا فإنما الاستئذان من النظر " " 1 " وفي حديث أبي هريرة " إذا دخل البصر فلا إذن " " 2 " حديثان حسنان رواهما أبو داود وغيره . فإن سمع أحد صوته وإلا زاد حتى يعلم أو يظن أنه سمع ، فإن أذن له وإلا رجع . قال ابن الجوزي وغيره : فلا يقف على الباب ويلازمه للآية . وفي الصحيحين " 3 " عن أبي سعيد مرفوعا : " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع " وقيل : لا يزيد على ثلاث مطلقا قاله بعض العلماء عملا بظاهر الحديث وهو ظاهر كلام بعض الأصحاب ، وقد قال علي بن سعيد : سألت أبا عبد اللّه عن الاستئذان فقال : إذا استأذن ثلاثا رجع والاستئذان السّلام ، فظاهره كهذا القول ومن قال بالأول حمل الحديث على من لم يظن . وحجب معاوية أبا الدرداء رضي اللّه عنهما يوما وأجلسه عند بابه فقيل يا أبا الدرداء يفعل هذا بك وأنت صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فقال من يأتي أبواب السلطان يقم ويقعد واستأذن أبو سفيان على عثمان رضي اللّه عنهما فأبطأ إذنه فقيل : حجبك أمير المؤمنين ، فقال : لا عدمت من قومي من إذا شاء حجب ، وقال مروان لابنه عبد العزيز حين ولاه مصر : يا بني مر حاجبك يخبرك من حضر بابك كل يوم فتكون أنت تأذن وتحجب ، وآنس من دخل إليك بالحديث فينبسط إليك ، ولا تعجل بالعقوبة إذا أشكل عليك الأمر فإنك على العقوبة أقدر منك على أرتجاعها . وأقام رجل على باب كسرى فلم يؤذن له فقال له الحاجب اكتب كتابا وخففه أو صله لك فقال : لا أزيد على أربعة أسطر فكتب في السطر الأول الضرورة والأمل أقدماني على الملك ، وفي السطر الثاني ليس لي صبر على الطلب ، وفي السطر الثالث الرجوع بلا إفادة شماتة الأعداء ، وفي السطر الرابع إما " نعم " مثمرة وإما " لا " مؤيسة . فوضع كسرى تحت كل سطر " ز " فانصرف بستة عشر ألف درهم . قال الشاعر : يزدحم الناس على بابه * والمشرب العذب كثير الزحام وقال آخر : وإني لأرثي للكريم إذا غدا * على طمع عند اللئيم يطالبه

--> ( 1 ) رواه أبو داود ( 5174 ) وصححه الألباني وأصل الحديث في صحيح البخاري ومسلم . ( 2 ) رواه أبو داود ( 5173 ) والبيهقي ( 8 / 339 ) وهو كما قال الإمام . ( 3 ) رواه البخاري ( 2062 ) ومسلم ( الآداب / 2153 ) .